الملخص
النص الكامل
خلال الأسابيع القليلة الماضية، كنت أراجع مقالاً عن إحدى مناطق النزاع، يحمل فكرة مهمة ويبدو أن صاحبه بذل جهداً معقولاً في إعداده. استوقفتني استشهادات تشبه ما نشرته سابقاً عن الحوكمة والشرعية في سورية. حين عدت إلى المراجع، وجدت عناوين لأبحاثي مرتبطة بأسماء باحثين آخرين. يدلل هذا الأمر على الاستعانة بالذكاء الاصطناعي دون التحقق من مخرجاته. وكان السؤال الذي شغلني: كيف استشهد الباحث بأعمال لم يتحقق منها؟
في دراسة نُشرت إلكترونياً في مجلة Journal of Internal Medicine في تموز ٢٠٢٦، فحص الباحثون ٤٢٬٢٤٩ مسودة بحثية نُشرت بين ١ كانون الثاني ٢٠٢٣ و٣١ آذار ٢٠٢٦ على medRxiv، وهي منصة للبحوث الصحية قبل التحكيم. وحدّدوا ١٥٧ مرجعاً مختلقاً في ١٠٤ مسودات، ثم وجدوا أن ١٢ منها نُشرت في مجلات محكّمة مع بقاء المراجع المختلقة. توثّق الدراسة انتقال المشكلة إلى الأدبيات المفهرسة، لكنها لا تحدّد سبب اختلاق هذه المراجع (١).
حتى عندما تكون المراجع صحيحة، هناك خطر آخر، وهو أن يسبق النص فهم صاحبه. فقد يقرأ الباحث عشرات الأوراق لإعداد دراسة واحدة، ويتعلّم منها عن الأسئلة المطروحة والمناهج المستخدمة وحدود المعرفة. بعض الأوراق يكفي استعراضها لتحديد صلتها بالموضوع، بينما تتطلب الدراسات التي تقوم عليها الحجة قراءة متأنية. وقد يحرم الاعتماد على الذكاء الاصطناعي بديلاً عن هذه القراءة الباحثَ من فرص الفهم العميق وربط الأفكار.
فالاستشهاد مسؤولية عن العلاقة بين الدليل والادعاء. والعثور على جملة مناسبة لا يكفي ما لم نفهم كيف وصلت الدراسة إليها. هل العبارة نتيجة مباشرة، أم تفسير محتمل، أم رأي منقول؟ وهل تسمح المنهجية بهذا الاستنتاج؟ مع تكرار هذه الأسئلة، تتطوّر قدرة الباحث على النقد وتحديد الفجوات البحثية. وإذا فوّض القراءة والتفسير معاً، فقد يفقد فرص التدريب التي يحتاج إليها لتقييم إجابات الأداة.
توضح دراسة نُشرت في Royal Society Open Science في نيسان ٢٠٢٥ جانباً من هذا الخطر. فقد اختبرت عشرة نماذج بتحليل ٤٩٠٠ ملخص مولّد لنصوص علمية، شملت أبحاثاً طبية. وحتى مع طلب الدقة صراحة، أنتجت معظم النماذج تعميمات أوسع مما ورد في النصوص الأصلية. وتراوحت النسبة بين ٢٦٪ و٧٣٪ لدى نماذج DeepSeek وChatGPT-4o وLLaMA 3.3 70B. وفي مقارنة مباشرة، بلغت نسبة الأرجحية لاحتواء ملخصات النماذج على تعميمات واسعة تقريباً خمسة أضعاف الملخصات البشرية. كما مالت النماذج الأحدث إلى أداء أقل دقة ضمن المجموعة المختبَرة، وهي نتيجة تخص إصدارات الدراسة وظروفها، ولا تصف بالضرورة الأدوات الحالية (٢). ويوضح الجدولان الآتيان أمثلة لهذا التوسّع في الاستنتاجات.
جدول ١ التعميم عند تحويل صياغة النتائج من الماضي إلى الحاضر
جدول ٢ التعميم عند تحويل النتائج الوصفية إلى توصيات عملية
في بحوث النظم الصحية، قد تتحول تصوّرات مشاركين عن تحسّن الخدمات إلى ادعاء بأن برنامجاً أثبت نجاحه. قراءة المنهجية والقيود تتيح اكتشاف هذه المسافة، وتمنع بناء توصيات تتجاوز الأدلة. وقد تتغيّر قدرات الأدوات مع تطوّرها، مما يستدعي تقييماً مستمراً، دون افتراض أن التطوّر التقني سيحل هذه المشكلات تلقائياً.
الباحثون الجدد قد يكونوا أكثر عرضة للاعتماد غير النقدي على هذه الأدوات، لأن مهارات القراءة واختيار المنهجية ما زالت قيد التكوين. وقد يزداد الإغراء حين تكون القراءة بلغة ثانية. فالباحث العربي الذي يقرأ بالإنجليزية قد يحتاج إلى وقت إضافي لفهم اللغة والمصطلحات وصياغة أفكاره. هنا يمكن للأدوات تقديم مساعدة مفيدة، بشرط أن تدعم فهمه للمصدر.
هناك فرق مهم بين إنجاز المهمة واكتساب المهارة. ففي تجربة عشوائية نُشرت في PNAS عام ٢٠٢٥، شملت قرابة ألف طالب ثانوي في الرياضيات في تركيا، حسّنت أداة مبنية على GPT-4 دون ضوابط تعليمية مخصصة درجات التمارين بنسبة ٤٨٪ مقارنة بالمجموعة الضابطة. لكن عند سحب الأداة، جاءت درجات الاختبار أقل بنسبة ١٧٪ من درجات المجموعة الضابطة. وخفّفت نسخة مصمّمة لدعم التعلّم بالتلميحات هذه الآثار السلبية إلى حد كبير (٣). تدعم الدراسة التمييز بين الأداء بمساعدة الأداة والتعلّم الذي يبقى بعدها. لكنها بطبيعة الحال لا تثبت آثاراً طويلة الأمد على قدرات الطلاب العقلية واللغوية، فهذا سؤال يحتاج إلى دراسة في سياقه.
على المستوى الشخصي، وصلتني مقالات للمراجعة غلبت عليها صياغة عامة ومنمّقة، وافتقدت فيها خبرة الكاتب نفسه. بالرغم من أن الأسلوب لايكفي وحده لإثبات استخدام الذكاء الاصطناعي، لكن غياب التجربة والتحليل المحدد يضعف النص ويعطينا مثل هذا الانطباع. فقد يمتلك ممارس صحي معرفة مهمة بكيفية استمرار خدمة أثناء النزاع، أو فشل ترتيب إداري، أو بناء الثقة مع مجتمع محلي. ولحل خلاف على موقع مركز صحي، قد نحتاج إلى فهم العلاقات العائلية والمرجعيات المجتمعية والمصالح الاقتصادية. وصف هذه التجارب وتحليلها وتوضيح حدودها أكثر فائدة من فقرات مصقولة تصلح لأي مكان.
وترتبط الثقة لدى القرّاء والمراجعين بدقة ما يُكتب واتساقه. فمن واقع تجربتي في المراجعة، تثير المراجع غير المكتملة والفقرات غير المترابطة أسئلة حول العناية بالنص والتحقق من أدلته. لذلك، تبقى القراءة المتأنية قبل الإرسال جزءاً من مسؤولية الباحث، أياً كانت الأدوات التي استخدمها.
وللاستفادة من هذه الأدوات مع الحفاظ على التعلّم وجودة البحث، أقترح الممارسات الآتية:
١ـ قراءة الدراسات التي تقوم عليها حجة البحث من مصادرها الأصلية، وتدوين أسئلتها ومنهجيتها ونتائجها وحدودها.
٢ـ التحقق من وجود كل مرجع تقترحه الأداة في قواعد البيانات أو موقع المجلة، وفحص دعمه للادعاء قبل إضافته إلى مكتبة المراجع والاستشهاد به.
٣ـ استخدام الأدوات لشرح الفقرات وتحسين صياغة الأفكار، مع مقارنة الشرح والملخص بالمصدر الأصلي.
٤ـ البدء بالملاحظات والأسئلة والخبرة الميدانية الخاصة بالباحث، ثم طلب المساعدة في تنظيمها. ومناقشة المناهج المقترحة مع المشرفين أو الزملاء.
٥ـ حماية سرية بيانات المرضى والملفات، وعدم رفعها إلى أدوات لا تضمن سريتها.
٦ـ الالتزام بسياسة المجلة والإفصاح عن الأداة المستخدمة والغرض منها، فالمسؤولية عن المحتوى تبقى بشرية (٤).
٧ـ تقييم الأدوات باستمرار، واستخدام النقاش معها لاختبار الأفكار والحجج، مع الحفاظ على القدرة على تفسير العمل والدفاع عنه بصورة مستقلة.
قد تختصر الأدوات وقت الصياغة، أما القدرة على البحث فتحتاج إلى قراءة وصبر وممارسة. ورؤية الاسم على ورقة أو مقالة منشورة تكتسب معناها حين يستطيع صاحبها تفسير ما كتب، والدفاع عن خياراته، واستخدام ما تعلّمه لطرح سؤال أفضل في البحث أو المقال التالي.المراجع
- Topaz M, Zhang Z, Gupta P, Roguin N, Peltonen LM. Fabricated references are twice as common in medRxiv preprints as in peer-reviewed articles. J Intern Med. 2026 July.
- https://doi.org/10.1111/joim.70139
- Peters U, Chin-Yee B. Generalization bias in large language model summarization of scientific research. R Soc Open Sci. 2025 April.
- https://doi.org/10.1098/rsos.241776
- Bastani H, Bastani O, Sungu A, Ge H, Kabakcı Ö, Mariman R. Generative AI without guardrails can harm learning: Evidence from high school mathematics. PNAS. June 2025.
- https://doi.org/10.1073/pnas.2422633122
- International Committee of Medical Journal Editors. Use of Artificial Intelligence in Publishing. Accessed 9 September 2026.
- https://www.icmje.org/recommendations/browse/artificial-intelligence/
لا توجد تعليقات منشورة بعد.